الخميس، 5 سبتمبر 2019

نعم أعلم : لا أحد يهتم



       أشعر بأني صخرة لا يزيحها رياح الهوى، يبدو الناس من حولي يتمايلون وأكثر مرونة سألت في نفسي لما أنا جامدة هكذا ؟ لدي طاقة متأججة مثل بركان تدفق حممه من فوهة جبل،يا ترى ما يكبلك يا نفسي !



 بعد تسعة أشهر من العزلة ، فقدان أخي الجميل الشاب ، بنى حاجِزاَ زجاجياً متشققاً حولي يحجبني عن العالم الخارجي ، أعترف لكم بأن ليس من سجيتي الإختلاط الذي لا معنى له ، غالباً ما أفضل العُزلة أو ممارسة هواية بدل أن أقضي ساعات بين غيبة نساء أو التبحر خلال أحلام المراهقات ، ليس هذا تقليلاً من شأن النساء أو الفتيات غير أني من الفترة التي قضيتها بين الطرفين إستنتجت بأن حديث النساء مجرد ذنوب دون أي حكمة أو عائِد معرفي عميق يمكن أن نستقيه كما في الماضي من أجدادنا و جداتنا، أخبروني كيف يمكنني أن أطبق نصائح إمرأة تسُب زوجها أو طليقها و من ثم  تعود لتعطيني نصائح عن الحياة الزوجية السعيدة ! 
أما فيما يخص الفتيات أو المراهقات فغالباً ما تكون أحلامهن سطحية و خيالية ( وأغلبها من الغيبيات التي لا يمكن بناء خطط عليها)  بالرغم من جمالها في غالب الأحيان إلا أني لم أمر بمرحلة المراهقة، لم أنتبه إلى الأمر إلا حينما تجاوزت الثالثة و العشرين من عمري ، أنا متيقنة بأن من يقرأ هذا الكلام من الآباء و الأمهات سيتمنى بإبنة مثلي لا ترهقهم بمراهقتها .......

أعتذر لقد إنقطع حبل أفكاري المتسلسل ، شرد عقلي قليلاً وأخذت عيناي تتأملان ، هُناك صخب و أصوات عالية ووجوه جميلة في الأرجاء ولكن في داخلي صمت مضجر ، لمع وميض في حجرة عقلي المظلمة إنها إضاءة شمعة صغيرة ولكنها كانت كافية لتتمكن حروفي من إيجاد بعضها ونظم صفوفها لتكوين كلمات معبرة عن الحال الحالي ، بعد وقت ليس بالطويل إنطفأ فتيل الشمعة المضيء إثر تسرب .... دعونا نسميها...
بفيروسات العتمة، وهي تتكون غالبا من أحداث حزينة و مواقف صادمة قد تعرضت لها في ومضات سابقة من حياتي ، ولكن بشكل فطري كنت أتبع اسلوب التناسي والمضي قدماً ، كنت وبشكل تلقائي أجمع هذه الفيروسات المؤذية لقلبي وأضعها في حاويات و أرسلها الى فضاء النسيان ، كان لدي أفكار وخطط يجب أن أقوم بها أكبر بكثير من صدمة أو مشكلة قد تعرضت لها ، كنت أرى بأن هذه من توافه الأمور ، كان لابد أن أكون جادة و مجتهدة ، لم يكن لدي فرصة أو حتى خيار لإرتكاب الأخطاء.

 لم أختر هذا النمط من الحياة لنفسي بل وجدته مفصلاً من أجلي من قبل أن أرى زرقة السماء 
كان الهدف الأساسي من مهمتي هو الحفاظ على ترابط أسرتي المكونة من خمس أشخاص. 

 قد تجد الأمر جنونياً بأن هذا الهدف تملكني منذ كنت طفلة لا تعي معنى كلمة أسرة، من أحاديث أمي لي عن طفولتي التي لا أذكر منها شيء البتة ،كم كنت أهتم بِتجمع أهلي من حولي و مقدار العاطفة التي كانت تتملكني نحوهم 
وبطبيعة الحياة القاسية ...أعتذر ... وبطبيعة بعض الناس القاسية في هذه الحياة  تم تقطيع أسرتي الى أشلاء.لم أفكر بالحلوى كبقية الأطفال ولكن كنت أصيح باحثة عن إخوتي،أين هم؟ 

 بلطف من الله و تقديره تم جمع شمل أسرتي ، بعد عدة سنوات وفي المرحلة الابتدائية أصبح جميع أسرتي حولي ، أمي ،أخي الأكبر، أخي الأوسط وأخي الصغير الذي يكبرني في نفس الوقت ، ما رأيكم بأسرتي الجميلة ؟ ... بعد فترة من الزمن وبينما أنا أتسامر مع زميلاتي في المدرسة، بدأت أسمع باسم غريب (أب) كل واحدة منهن كانت تتحدث عن والدها ، هذه عندما أخذها إلى الملاهي ، وتلك عندما أحضر لها ملابس العيد ، والأخيرة عندما وعدها بهدية قيمة إذا ما نجحت بدرجات عالية في نهاية الفصل الدراسي .بقيت أنا صامتة ... هناك أمر ما غير صائب ! نعم إنه مصطلح الأب ... أين أبي؟ صحيح بأني أعرف إسمه وسمعت بعض القصص عنه و لكن الأمر بالنسبة لي أشبه بالخيال ، كأننا نتحدث عن أناس من الماضي لا يمكننا لمسهم أو سماع صوت أسمائنا تخرج من بين شفاهم .
 عدت إلى المنزل جلست مع نفسي و بدأت أتذكر بعض الأحداث .... نعم أبي ذلك الرجل الذي أخبرتني أمي عنه ... كم كان يحبني ويدللني وأنا طفلة .... كان يرغب بابنة منذ البداية ... إلى أن أتيت بعد ثلاث أطفال ذكور ، كانت فرحته لا توصف ..... بدأ حديث أمي يتكون في ذاكرتي ، ذلك الحديث الذي جرى بيننا منذ سنوات قليلة مضت ....نعم تذكرت لقد أخبرتني بأن أبي مات ، أعتقد بأني لم أفهم أو أستوعب ما قالته لي حينها ، كنت أطيل شعري لأن أمي كانت تخبرني بأن والدي كان يُحب الشعر الطويل ، نعم يبدو أنني تذكرت أليس كذلك ؟! حسنا لقد تذكرت ...... أين المقص ...نعم وجدته إنه هناك ....

القهوة على النار ... أعتذر ، إنتظر قليلاً حتى أحضر القهوة .


أين كنا ... نعم المِقص .... باختصار شديد قمت بقص شعري ، كنت لا أزال في المرحلة الابتدائية ، كانت المرة الأولى التي أقص فيها خصلات شعري ، عندما سألتني أمي عن سبب تصرفي هذا...قلت كلمات متقطعة منها أبي...شعر...يحب...ينظر...طويل ، إستنتجت أمي الأمر وابتسمت لي وقالت: لا بأس سوف يطول مرة اخرى.


هذا يعني بأن أسرتي قد نقص منها شخص مهم جداً ، ولكن لا بأس يمكنني أن أجعله فخوراً في قبره الذي لا أعرف أين موضعه،  المهمة ما زالت قائمة يجب أن أكون فتاة صالحة و أدعم أسرتي ... ماذا أستمتع بطفولتي ؟ ماذا تعني بالطفولة ؟ .....ماذا أستمتع بشبابي ؟ كيف أصنع ذلك؟ ... لا تقلق الحياة طويلة سياتي وقت المتعة ولكن الآن يجب أن أجتهد يجب أن أتحلى بالمسؤولية، ليس هناك مجال للخطأ ، لو أخطأت ولو لمرة واحدة سوف أدمر هدفي .... يجب أن أكون مهذبة و أحصل على درجات ممتازة في المدرسة ، أن لا أتصرف بدلال وأطلب مالا تستطيع والدتي توفيره ، فلكي تصبح مدلل تحتاج إلى شخص يُدللك ، أليس كذالك ؟

ها أنا ذا في الشهر الأخير من مسيرتي الجامعية ، التي إستمتعت بها كثيراً ، أنجزت فيها الكثير ، حصلت على دورات كثيرة تطور من نفسي و تزيد من فرصي الوظيفية ، و الأهم من ذلك حصلت على درجة الإمتياز في جميع موادي الدراسية ، أضف قليلاً من بريق النشاط التطوعي ...نعم ممتاز ،هل رأيت النتيجة النهائية للوحة ؟ جميلة أليس كذلك ؟

غالباً ما تُفكر الفتيات في هذه اللحظة بحفل التخرج و بالهدايا الكثيرة التي يُفترض أن يحصُلن عليها ، وبالطبع كاتبة هذه السطور  الجميلة ما زالت تفكر بالهدف الأساسي .... نعم إن أخي الأوسط مريض جداً في بلادٍ بعيدة .... ولكن لا تقلق لقد طمأننا بأنه بخير أو أصبح أفضل من ذي قبل ، كيف يمكنني مساعدته ...أخبرني؟... لا يمكنني السفر إليه ، ليس لدي المال الكافي ... لا يمكنني أن أرسله إلى مستشفى خاصة لنفس السبب ... حسناً لا بأس سوف أحصل على وظيفة في مجال تخصصي ، أعتقد بأن الراتب سيكون كافياً للحصول على سرير فاخر في مستشفى خاصة ، هو فقط يحتاج إلى عناية لا أكثر .... حسناً تبدو فكرة مناسبة أليس كذالك ؟

لقد مرت سنة كاملة منذ تخرجي من الجامعة ... بالمناسبة لقد حصلت على مرتبة الشرف الأولى ، جميل أليس كذالك ؟ ... نعم لم أحصل على وظيفة ...ولكن لماذا ؟ لقد حصلت على جميع طلباتهم !
جاءني إتصال من رقم غريب ، قمت بالرد ، كان المتحدث رجل ، أخبرني بأنه صديق أخي المريض ، وبعد تردد قال لي بأن أخي في غيبوبة ... طلب مني التحدث إلى شخص كبير أو إلى رجل ، أعتقد بأن صوتي يوحي بالضعف وقلة الحيلة ..... توقفت لبرهة أفكر في كلامه ، ركضت إلى أخي الاخر و أخبرته ... اختبأت بعيداً عن الجميع وجلست أدعو الله أن يشفيه من الغيبوبة
أعتقد بأنكم تعرفون حقيقة ما حدث ، حقيقة أنه مات ...حقيقة أن صديق أخي لم يتجرأ أن يخبرني بموته و إدعى بأنه في غيبوبة حتى لا يصدم صاحبة الصوت الضعيف ... صاحبة الصوت الكسير .
لم أستطع من مساعدة أخي ، لم أستطع الحصول على عمل حقيقي ليس من أجل المكياج أو السياحة و الترفه بل من أجل هدف أهم لم أبكي أمام الناس ، كنت هادءة أو مبتسمة ، لم يكن هناك وقت للجلوس، يجب أن أستقبل الضيوف المعزين و أبدو قوية أمام أمي و من بقي من إخوتي .
 إستمر إستقبال العزاء لمدة شهرين ، ومن ثم بدأ المعزين في تناقص ،وبعد أربعة أشهر توقف الجميع عن الحضور ... يعني أخي مات مثل أبي أليس كذالك ؟ لماذا لا أشعر بأنه ميت ... ربما ما زال هُناك  يُكمل دراسته ...ولكن ماهذه الدموع ، لماذا أنا أشعر بالألم ! بعد فترة ليست بالقليلة طلبت مني والدتي الذهاب إلى زواج إحدى قريباتنا ، كمحاولة منها لإخراجي من عزلتي ...لم أعترض ، في يوم الزواج ذهبت إلى خزانتي وبحثت فيها عن فستان مناسب ....نعم وجدت واحدة ... وماذا عن شعري ؟ لا تقلق لقد قمت بغسله و تعريضه لمجفف الشعر في اليوم السابق ....أنظر سأقوم بإسداله ... نعم يبدو جميلاً ....ماذا أذهب إلى الصالون من أجل عمل تسريحة ؟ ...لا أنا لم أذهب إلى صالون من قبل ...لماذا؟ ...ماذا تقصد من لماذا !

ألم أخبرك سابقاً بأن الشخص لا يصبح مدللاً إلا عندما يجد من يقوم بتدليله .

ها أنا ذَا جالسة على أحد المقاعد في قاعة الزواج بمظهر كلاسيكي هادء ،أتأمل في الناس بِعقل فارغ إلى أن جلست أمامي إمرأة لا أعرفها وبدأت تتحدث ، أخبرتني بأنها لم تستطع حضور عزاء أخي لأسباب غير مهمة  وأن أخبر أمي بأمر تقديمها للعزاء، وأخبرتني عن إسمها ، بادلتُها الحديث بابتسامة وقلت إن شاء الله سوف أخبر أمي التي هي حاضرة في القاعة ، وبمجرد إنصرافها من أمامي شعرت بجمود في عقلي، أمر أشبه بالفراغ ، وبعد لحضات بدأت عيناي تدمعان ... يا إلهي لا يمكنني البكاء في زواج ... إنه أخي الحبيب ... نعم إنه هو عندما كان يلعب معي وأنا صغيرة ، إنه ....أرجوك توقفي عن البكاء ، أنت في زواج ماذا سيظن الناس؟!...ولاكن لماذا لا يمكنني التوقف عن البكاء! ...حسناً يجب أن أذهب الى غرفة المرايا و أتظاهر بأني أزين شعري هناك حتى أهدأ وهذه الدموع تتوقف ...فكرة صائبة أليس كذلك ؟
عدت إلى مقعدي ورسمت على وجهي إبتسامتي المشرقة ، لم أكن مضطرة للإبتسامة ولكن هذا طبعي أبتسم دائما كالبلهاء حتى لا أشعر الناس بحزني ...هذا طبعي منذ كنت صغيرة ...لا أعلم من أدخل هذه الفكرة في رأسي ، وهي:

إبتسم أمام الآخرين فكل شخص لديه مشاكله الخاصة ،لا داعي بأن تثقل يومه بعبوسك أيضاً بالإضافة إلى أن إبتسامتك قد تُسعد يومه 
 قال الرسول صلى الله عليه وسلم (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة).


دعونا نتوقف قليلاً ونعيد ترتيب أفكارنا ... لقد أضعت مغزا الحوار ... لم أعد أتذكر الهدف من حديثي معكم ... أعتقد لماذا أنا جادة أو .... لماذا أبدو هكذا ...أعتقد بأني لم أعد أعرف ماذا أريد .
 هل كنت مخطئة بأهدافي ؟
هل كنت مخطئة لعدم إستماعي لثرثرة النساء أو لأحلام الفتيات الوردية ؟
هل تحملي للمسؤلية و تصرفي بجدية لم يكن أمراً صائباً؟ أم أتراها ابتسامتي الطفولية المشرقة ؟
 أم هو بسبب إهمال من حولي و عدم تحملهم المسؤلية ؟

لم يعد بمقدوري إرسال الفيروسات المعتمة إلى عالم النسيان ، بل على العكس بدأت الحاويات التي كنت أتخلص منها بالعودة ، غزت الفيروسات المعتمة واقتاتت على ضوء حروفي و نور أفكاري ، حتى أصبح كل شيء حولي محاطاً بالعتمة ، حتى كلماتي التي أُقدِمها لك أصبحت تحمل الوحدة و الوحشة في ثناياها ، أصبحت أفكاري هزيلة مملة ، أشعر بأني أتلاشى شيءً فشيءً ...سأوقف حروفي هنا ، سأبتسم الأن ... نعم تذكرت كان أخي رحمه الله يبتسم ولديه تعابير فكاهية ...كان يصنع ذلك ليشتت إنتباهي عن حزنه و ألمه .....أعذرني عزيزي القارئ أنا فقط سأبتسم ،لأني لا أعرف القيام بالأمور الفكاهية مثله ، أنا فقط يمكنني القيام بالإبتسامة البلهاء ... أعتقد بأنها إبتسامة مشرقة ... ولكن ما أدراني بهذه الأمور ، بعض الناس يرى بأنها إبتسامة بلهاء من أجل ذلك لا أحد يهتم .
................



أعلم أمراً واحداً حقيقة أني لم أندم على تحملي المسؤلية ، حقيقة أني لم أخذل أحد ، حقيقة أني لم أعطل سير الحياة. 
ببساطة هل فكرت بالمقعد الخشبي المهترئ الذي تجلس عليه في المدرسة ؟ تسألني ماذا عنه؟ ساقول لك وأستفسر على الأخص، هل شعرت بقيمة هذا الكرسي ؟ وأن عليك أن تتحمل المسؤلية بالاجتهاد و النجاح من أول مرة تجلس عليه ؟

هناك مواقف كثيرة تعيق سير حياة الآخرين ، قد تجعلهم معلقين من أعناقهم فقط لأن أشخاصاً قررو عدم تحمل مسؤلية تصرفاتهم 
عزيزي القارئ قد تنقذ حياة شخص بكلمة أو بتصرف بسيط لا تتصبب منه عرقاً أو تنزف منه دما .

كلمة من إنسان ذو منصب قد تحي أقوام و تهلك أقوام أنا لا امزح فيما أقول ، فنحن بِتنا في زمن قد تنتقل فيه ملكية أرض بأسرها بمجرد كلمة من شخص ما ! خَطة قلم بَخس الثمن على ورقة بيضاء بمقاس  A4 قد تحول حياة إنسان إلى جحيم أو قد تفتح له أبواب جنة الدنيا  كلمة واحدة من إمرأة جاهلة عديمة مسؤلية قد تُنهي زواج فتاة في بداية تفتحها أو ربما تمنعها من التكون من الأساس ، كلمة من أب قد تحول حياة ابنته أو ابنه من النقيض إلى النقيض.

 

بقلم: أمينة عبد القادر عثمان
تصميم الصور: أمينة عثمان



إتفاق معك




            مرت أيام و شهور منذ آخر موضوع قمت بكتابته، أصبحت كلماتي أكثر تثاقلاً وأقل رغبة في الإصطفاف على سطور ورقتي البيضاء ،أتراها إزدادت كسلاً من طول مكوثها داخل حُجرات مخيلتي ؟
 أم أن كثرة الأحلام جعلتها تُحلق في الفضاء حتى إذا ما إعتادت على إنعدام الواقع  تناست بأن بِمقدورها الترابط و السكون بين سطور الأوراق؟!

بالتأكيد هي تناست ولَم تنسى مطلقاً مدى براعتها في نسق الجمل و سرد الاّراء، فعندما تكون في فضاء مخيلتي في لحظة إنعدام الواقع المحزن تنبثق تلك الكلمات بالقصص و الأحداث ، وتبُث في ذلك الفضاء الصامت الحياة، تتسابق العبارات لِتُكوِن الجمل لتنير كالنجوم بمعانيها و تناسُقها فيما بينها، في تلك اللحظة يزداد دقات قلبي و يصبح جسدي أكثر دفأ ووجهي أكثر إشراقاً.
أذهب مسرعة بخطوات متقاربة تشبه بالهرولة باحثة عن ورقة وقلم، عيناي تلتقِطان أكبر قدر ممكن من المحيط لتبحث عن الصورة المطلوبة ...نعم إنها الصورة التي تُظهِر الورقة و القلم.
بعد أن أجلس لأُحول تلك النجوم من الأفكار التي تجري بسرعة فائِقة في فضاء مخيلتي إلى حروف مترابطة متتابعة خلف بعضها داخل أسطر متراصة بعضها فوق بعض ، في اللحظة التي يرتطم بها رأس القلم المدبب بسطح الورقة ينطفئ  فيه بريق تلك النجوم ، يصبح خالياً معتماً من جديد كأنه لم يكن هناك نور قط.

قررت محاولة كتابة عبارات قريبة من تلك التي كانت في مخيلتي ولكني أجدها باهتة فأمزق الورقة ، ولكن بعد تكرر هذا الأمر ، قررت بأنه يجب علي الكتابة، ربما بعد محاولات كثيرة أتمكن من إنارة مخيلتي قد يكون الأمر كإحداث شرارة تلو شرارة لإشعال النار في ليلة شديدة البرودة.

فإن وجدت أيها القارئ العزيز بأن كلماتي باهتة قليلاً أو مصحوبة بقليلٍ من الصقيع فاستخدم نور مخيلتك وشرارة فكرك لرؤية جمال كلماتي.


بقلم: أمينة عبد القادر عثمان



الأحد، 19 نوفمبر 2017

جمال البراءة

جلست بقربه لأشاهد التلفاز وبعد لحظات شعرت بيده تستكشف ذراعي و تتلمس هنا وهناك، إلتفت إليه و نظرت إلى عينيه الواسعتين، بدت نظراته سعيدة، أخبرته بأني لست عروسة أو دب... قام من مقعده وقبلني عدة قبلات غضبت أمي وقالت : إبتعد عن ابنتي , ضحكت ...علقت أمي قائلة : لم أعتد أن أرى غريباً يقبلك ، لم أستطع أن أمنعه، وفِي صباح الْيَوْمَ التالي إستقبلني خارج غرفتي ومد ذراعيه طالبا مني ضمة وقبلة ، إقتربت منه وضممته ثم انحنيت نحوه وقبلته
 قال لي أحبك أمينة ، قلت له وأنا أحبك.
دعوني يا سادة أعرفكم على هذا الشخص ، إسمه جمال و يبلغ من العمر الأربع سنوات ، حسنا ما رأيكم بأن أعيد لكم سياق القصة من البداية؛ لأجلي  لكم ضباب الحيرة.

إحترت... من أين أبدا نضم كلماتي ، وكيف أسيق القصة........
بينما أصارع مجريات حياتي ، أقاوم بكل طريقة لأقود دفة قاربي نحو تيار الإيجابية الذي بدأ يتباطأ  كل يوم  ورياح الحزن تعصف بقاربي الصغير كل يوم أقوى من سابقتها   ، وبينما أنا هكذا وإذ يظهر أمامي طفلين ، نمت و استيقظت وإذا بوالدتي تحضر طفلين إلى المنزل، بِنَت في السادسة من العمر و أخاها قارب الأربع سنوات ، باختصار شديد أمي هنا تمثل دور المنقذ  ووالدا الطفلين في حرب وطيد ، ومنزلنا الواهن هو بمثابة ملجأ موقت إلى حين إنقضاء الحرب.
الطفل يدعى جمال و بشكل عجيب صدف بأنه يحبني ، عندما رآني أول مرة أقبل فيها إلى بيتنا أخذ يضحك ويضمني ، فرحت أمي لأنه أحبني ، وأخبرتني بأنه لم يتوقف عن البكاء و الاستفراغ عند بيت المربية بالإضافة إلى ذلك فهو يعاني من حساسية من بعض الأطعمة ، نظرت إليه وكلي عجب ، هل هذا الأمر جيد !
أخبرت أمي بأن وضع منزلنا لا يناسب الأطفال وأنهم لن يشعروا بالراحة فمنزلنا ضيق جداَ بالإضافة فأنت لا تستطيعين إحتمال إزعاج الأطفال ، أجابتني :ولكن أنا أحب الأطفال ، أجبتها بقليل من السخرية : أمي أنت لا تنامين إلى في هدوء كالموت ، وليس هناك غرفة نوم للأطفال هذا يعني بأنهم سيبيتون معك ، ولا تدعيني أتحدث عن صبرك الطويل لأني لا أريد أن أغضبك ، قالت لي : لا عليك هي فترة موقتة حتى يتوصل الأبوين الى حل ، و المهم أنه شعر بالراحة معنا و الأهم أنه أحبك ، قلت خيراً إن شاء الله  .
فِي صباح الْيَوْمَ التالي إستيقظت مبكراَ وحضرت لهما الحليب مع الفطائر و أجلستهما أمامي وأخذت أراقبهم  وأقول في نفسي سبحان الله ما أبدع خلقه أيادي صغيرة و ضحكات و كلمات لا أعرف دلالاتها  ولكنها تبدو أنها صادرة عن فرح  ، وبينما أنا كذالك أتأمل أقبلت أمي لتعيدني إلى الواقع ، أخبرتني عن سبب تواجدهما بيننا، كان الأمر مزعج للغاية... أيتهافت  الناس للزواج لكي يتأكدوا بأنهم أنجبوا الأولاد ثم يتقاتلوا و يعلوا بعضهم على بعض ؟! ليس من الائق أن أخبركم بتفاصيل القصة فأنتم بالتأكيد تعرفون قصصاً مشابهة.

دعوني أخبركم عن شقاوة جمال لا عن سخافة والده و عناد أمه ، في البداية كان يبدو الامر سهلاً و لكن اتضح لي أنه أصعب من دراسة البكالاريوس ، أمي هي العنصر الصارم بنظره فهو يهدأ أمامها و يستمع لما تقول ، أما أنا فلست متاكدة سأحكي لكم ويمكنكم إخباري بأنفسكم ، بشكل عام أنا لا أخالطهم كثيراً لأني لم أرد  أن أشعرهم بصرامة أمي الذي لا أفضله وثانياً لم أرد أن يعتادوا علي لأنهم سيغادرون بعد بضعة أيّام فلا داعي للشوق الذي ليس له معنى ... أو ربما لأني لا أريد أن أحبهم بشدة ليأتي يوم يتلاشو فيه من حياتي.  

ولكن مر شهر كامل على وجودهما و هذا هو الشهر الثاني يقبل بأيامه علينا ، أظن بأنهم سيمكثون وقتا أطول مما كنت أظن ، أصبحت أجلس معهم زمن أطول ، كانت المشكلة الأساسية مع جمال وقت قضاء الحاجة  ، كان يدخل الى دورة المياه و يلعب هناك و ترى ( الككا) في كل مكان ، أخبرته بأنه يجب أن يجلس هنا و يفعل كذا ويجب  أن يُعلمني حتى أقوم بتنظيفه قبل أن يرتدي بنطاله  وألا يلعب بالماء ، ولكن لم يبدو الكلام سهلاً عليه ، أخذت أعيد عليه الأمر مع قليل من الترغيب و الترهيب و بعد أسبوع من الصراع إستجاب لطلب واحد فقط ألا وهو أن أنظفه ، المشكلة تكمن بأني أصبحت أقلق عندما يلمسني بحيث أخشى أن تكون يداه أو ملابسه متسخة بسبب لعبه في دورة المياه ، وبالتالي كيف سأصلي الصلوات الخمس؟ لذلك كنت أخبره بأنه إذا لعب في دورة المياه فلن يتمكن من ضمي أو لمسي لأنه غير نظيف ، وعندما تقوم أمي بغسله ، أقوم بضمه و تقبيله و أقول له بأنه نظيف... فيجيبني نعم أنا نظيف .

في يوم ذهبت أمي  إلى عرس ، فجلست معهم ، أخبرني جمال بأنه جائع ، حضرت الطعام و أطعمتهما بيدي وبعد نصف ساعة أطفأت التلفاز و طلبت منهما النوم ، بدأ جمال بالصراخ ، أخبرته بأنه حان وقت النوم رفض وأصر أن يشاهد التلفاز ، أجبته بأنه يمكن أن يشاهد الرسوم المتحركة في صباح  اليوم التالي و هو يتناول الكعك مع الحليب ، رفض و استمر في الاعتراض .

(ليس من السهل أن تجلس على ركبتيك لتقنع طفل لماذا يجب عليه أن ينام في الليل ، مهما بلغ الإنسان من العمر و اكتمل رجاحة عقله و أصبح يقوم بمهمات الحياة بشكل سلس و من دون أي شعور، في بعض الأحيان يقودنا عقلنا الباطني الى الروتين الذي عودناه عليه، وفجأة نضطر لأن ننحني أمام أطفالنا لنشرح لهم الحياة من جديد ، لنعلمهم كيف ياكلون و يشربون ، وعندما نجاهد لنقرب لهم مفهوم الأشياء البسيطة و تحاول إقناعهم بها،  إنهم جديدون على كوكبنا إنهم ما زالوا جاهلون عن كيفية سير عالمنا ، ألا تلاحظ حيرة نظراتهم حينما تتحدث معهم عن أمر ما  فعالمهم كان أبسط بكثير... عالم صغير مليء بالدفء و متوج بالحنان )
توقف جمال عن البكاء و لكنه رفض أن ينام ، قلت له :لا بأس يمكنك اللعب و أنا سوف أنام ، و عندما تشعر بالنعاس إذهب إلى سريرك ، ذهبت الى غرفتي طلب مني ألا أقفل الباب قال: أرجوك لا تسكري باب.
 سبحان من خلقه ، تركت الباب مفتوحاً و جلست على سريري أنتظره حتى ينام ،  جلس قليلا على عتبة الباب ثم ذهب يلعب بالمكعبات ، و بعد نصف ساعة أطفأت النور و استلقيت على السرير ولكن بعد دقائق لم أعد أسمع قرقعة المكعبات ، و أصبح الجو أكثر هدوءً ، قلقت و نهضت من فراشي و مشيت نحوه بخطوات هادئة و إذا هو نائم في فراشه و شخيره يراقص سكون الليل .
كأنه كان ينتظرني كي أنام ليشعر بالراحة و الطمأنينة ويستسلم لسطوة النوم .

بعد مرور ثلاث أسابيع من الشهر الثاني أخبرتني أمي بأنهم سيعيشون مع والدتهم ، وأنه بعد ساعة واحدة سيرحلون من بيتنا ،   تعجبت هكذا فجاة يذهبون كما جاءوا ! أسرعت إلى الثلاجة و أحضرت لهما طبق الحلوى الذي حضرته خصيصا من أجلهما وأجلستهما أمامي و بدأت أطعمهما لقمة لك و لقمة لكِ، أخذت أحدث نفسي و أقول أتمنى أن نكون قد أحسنا إليكما و ربما تمكنا من تعليمكما شيء أو شيئين . قبلتهما وذهبت الى غرفتي بينما هما يشاهدان التلفاز ، و بعد ساعة لم يعودا بيننا و بعد يوم أصبح البيت في سكون مطبق لم يعد هناك صوت لأقدام تركض ، ضحكات تحلق في الجو ولا حتى صراخ يزلزل العقل .

رغم مرورهما السريع على خط حياتي إلا أنني تعلمت أمورا كثيرة ، جعلاني أنهض من أجلهما، بالرغم من غرقي في بحر وحدتي كنت أبتسم لهما أستمع الى حديثهما أتأملها ، فأنا لم أخالط أطفالاً منذ زمن طويل ، و أنا كنت أصغر إخوتي ، لم أجرب شعور الأخ الصغير ، مع أني في أحيانٍ كثيرة أعتني بإخوتي الكبار و أدافع عنهم أمام أمي ، و عندما تذهب أعاتبهم .
 فرحت من أمي كثيراَ، فلقد علمت الطفلين الصغيرين أموراَ كثيرة ، رغم صرامتها و لكن عاد عليهما بالنفع أصبحا يلبسان ثيابهما بنفسيهما  ، و يعرفان كيفية إستخدام دورة المياه بطريقة صحيحة ، و يأكلان بنفسيهما، و بين فترة وأخرى أطعمهما بيدي من باب الحنان ، وجدت أنهما يستمتعان بذلك .

(أخيراً ارأفوا بمن هم أضعف منكم، فربما يكون ظهورهم في حياتكم إختبار
 من الله، ليرى ما أنتم فاعلين بقوتكم)  
روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيِه مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))

بقلم : 
أمينة عبد القادر عثمان.

الأحد، 30 أبريل 2017

(لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ)


يامن تستكثرون على وجنتي الضحكات فأبشرهم بأن وسادتي غرقت من دموعي   يامن ترون في مرحي المنكر فسأُخبركم بأن البؤس مزق جسدي ، يا هذا الذي ترى في عفوية تصرفي غباء ، فاعلم بأن سوط اللؤم أسقم ساعدي ، يامن تظنين بأن في تفاؤلي نقصاً ، فاعلمي بان كابوس التشاؤم سمم أحلامي ، يا من تستنكرون براءة تصرفاتي ، فاعلمو بأن سلاسل الظلم قيدت يدي و رجلي.

تتعاقب على أحزاني الفصول ، ألم تستطيع حرارة الشمس صهر أحمال المصاعب التي أحنت كتفي! و لم يقدر زمهرير الشتاء كسر الأغلال التي أثقلت قدماي فلم أتمكن من التقدم قدر أنملة ، يا أحزاني ألم تخجلي من أزهار الربيع فتكفي عن مضايقتي ، لماذا لا تتساقطي عن شجرة حياتي وتجفي و تتلاشي كما يحدث لاوراق الخريف؟!

يامن تستكثرون على شفتي الإبتسامة ، فصدقوني هي كل ما أملك من أمل، إنها القشة التي تربطني بالحياة  يامن تريدون تدنيس براءة قلبي الأبيض ، فاعلمو بأن براءتي المتبقية هي ما تبقيني أتنفس ، أتريدون أن تسلبوا مني أنفاسي وتغرقوني في بحر عنجهيتكم .

تريدون أن تتحكمون بخيوط حياتي كدمية ورقية؟ أيا ترى هل لأنكم أقوى مني وأقدر! أم لأنكم ضعفاء لدرجة ترغبون أن تُحكِموا قبضة حسدكم على رقبتي فتفصلوا جسدي الواهن عن رأسي المثقل بالهموم.
هل يبدو العبوس لكم عملية سهله ؟ فمن أجل الحصول على وجه مجرد من البهجة يحتاج الوجه إلى استخدام عضلات أكثر وحرق جهد أكبر .
أنا انشر ضحكاتي في الأرجاء لكي أطرد شياطين بؤسِكم  ، أتبسم لعل بسمتي تضيء حياة قلب أطفاتموها بجهلِكم ، أتبسم حتى تلمع عيناي لتبدو كنجم مشع في عقول ملئتموها بغروركم ضباب المعاناة حتى لم تعد تستطيع السير داخل غشاوته  بإظهار عفويتي أنعش قلوباً أنتم اعتصرتموها بتجاهلكم حتى توقفت عن النبض أخفي أوجاعي و أظهر محاسن أموري لأزرع الأمل في من أقحلتم حياته بإحباطكم إياه فقط لأنكم لا تعترفون بمصطلح المديح الى وقت المصالح.

حتى إذا استجبت لجبروتكم، فأطبقت شفتاي عن الضحك كما تطبق الوردة على بتلاتها لتحرمنا من جمال روحها وأجبرت قلبي على السكون، لتبدوا كليلة هطلت عليها الأمطار بغزارة ثم توقفت وشدت رحالها تاركة المكان في حالة من السكون يصعب علي وصفها بالكلمات ، فهناك مشاعر لا توصف .
جلست دون حراك كدمية جميلة ، مجرد أنفاس تُحرك قفص صدري ، تُصارع رئتاي ضلوعي على الإرتفاع لتزود قلبي الواهن بالأكسجين ، دقات قلبي لم تعد تُلحِن و تُطرب لروحي ،كأنها تناست لحن الحياة فقررت تقمص لحن عقارب الساعة المجردة من جميع إنعكاسات الحياة فلا ترى خلالها سوى خيالات أناس كانوا يعيشون في زمن المحبة و الرحمة و الانس .

ما فاجأ عقلي و أدهش حواسي ، لن أقول بان بدني اقشعر لأنه لم يعد يأبه بهذه الحياة  عندما أقبل من أجبرتني سطوتهم على ما أنا عليه ، ليزدروا مرة اخرى بقولهم : لم أنت حزينة تبدين شاحبة كالمومياء ، وجهك مجرد من الملامح ، كرسام شرع برسم لوحة فاتنة غير أن ألوانه نفذت  قبل أن يضع لمساته الاخيرة ،فنظرت إليهم لأجيب ولكن صوتي غرق داخل حنجرتي ، لم أعد أقدر عن الدفاع عن نفسي.
 آه لو أن لي وزيراً من أهلي ليحجِب  بفصاحة لسانه و أناة صوته آذيتهم ، آه لو أن لي أبا يخيفني بين ضلوعه و يضع يده على أذني كي لا أسمع بها صوتهم ، فلا أسمع الى صوت قلبه بأذني الاخرى ، ولكن أخفى عني القدر شاهد قبره ، ولَم يمنحنا الزمان وقتا لكي نتعرف على بَعضِنَا لكي أُمتع شفتاي بقول كلمة أبي لكي أُسجل في شريط ذاكرتي ملامحه ، ضحكاته و صوته الذي كان يغني لي و أنا طفلة .

أنظر الى إخوتي وقد شتتهم طرق الحياة  ، وقذفت بهم أمواج الواقع  بعد أن قلبتهم رأسا على عقب و جردتهم من كل جميلِِ أودعه الخالق داخل عقولهم ، ألقت بهم على جزيرة العزلة فهل من منقذ لهم ؟!
أعيش تحت سقف متشقق يكاد أن يهوي على رأسي ،غير أن أصابع القدر ممسكة به  أسير بقدمي على أرض تبدو سوية ولكن زلزال الغربة مُتأهب لكي بزلزلها من تحتي فأهوي الى جحيم عبوديتكم غير أن سخور  القدر لا تزال متماسكة .

اذا كنت حزيناً فليس بالظرورة أن يكون الجميع في حالة من الحزن ،إن كنت مهموما فليس لك الحق أن تجرنا الى ظُلمتك ، إن كنت سقيما فلا يجوز لك أن توخِزنا بمصل الشلل فلا نقدر على الحراك ، يمكنك أن تخبرني بأنك مهموم فاواسيك يمكنك أن تخبرني بأنك مريض لكي أعالجك ، يمكنك أن تهمس لي عن حزنك لكي أبحث عن كل أسباب الضحك و أقدمها لك لعلي أتمكن من دغدغة قلبك بالضحكات  إن كنّا جميعا تعيسون فما الجدوا، إن كنّا جميعا غاضبون فما النفع من ذلك ، رجاء اخبروني ؟

نحن جميعا محتجزون في هذه الحياة، كُتب لنا أن نعيش فيها كل منا ومدة عمره فمنا من يعيش المئة، و منا من يتحرر في المهد ، مهمتنا أن نتعاون و نتشارك لا أن نتنافس و نتقاتل ، ليس بالظرورة أن نقضي حياتنا في معارك عقيمة ، إذا وجدنا الفرصة في أن نعيش في سلام فلم نستعجل الحرب، إذا أقبل علينا عبير الرضى فلماذا نلوثه بأنفسنا الكريهة ؟! إذا وجدنا من يضحك فلماذا لا نضحك معه فنجدد أرواحنا ؟ لماذا نتسارع لإخماد شعلة أمله حتى ننسيه لذة الشعور بالفرح ؟

الحياة هي أن نبحث عن أي ثغرة للأمل، عن أي نور للسلام ،عن أي فرصة للمرح، عن أي دقيقة للسكون عن أي لحضة للتعاطف ،لأن صدقوني كل ماهو عكس ماذكرت يقدم على طبق من ذهب ، يوزع بالمجان ولا يباع .


أعد المقالة : أمينة عبد القادر عثمان.

شوط لرقص الكلمات


      أجلس خلف مقاعد فاخرة على أرض ممددة بفراش كريمي اللون ، يعلو رأسي سقف مزين بالثريات ،أجلس كما يجلس شيخ القبيلة من دون أن أتكئ  مرتدية  لباس بسيط لا يليق بفخامة المكان و حدث الزمان، أحتسي قهوتي العربية التي سكبت بكرم من دلة مطلية بلون الذهب ، أستلذ بحلاوة قطع الشوكولاة .

الفتيات مطلات بأجمل الفساتين ، شعورهن مسرحة كما لو كنت محاطة بالحور العين ، أجلس حولهن ولاكن لا يلاحظن وجودي ، لأنني ببساطة مخلوق لطيف رقيق أخفي جمال شعري المجدول بطرحة سوداء و أحجب إمتلاء شفتاي وغمازة وجنتي اليمنى بنقاب ، فلا يظهر سوى حدود عيني الواسعة ونظرتي الضاحكة .
النساء يتحاورن و الفتيات يرقصن على إيقاع الطبل و الدف ، دلال القهوة تجود بكرم حاتم ، قطع الحلوى المعدة على يد أشهر الطهاة لترضي ذائقة الحاضرين .
حتى إذا حل منتصف الليل أقبلت العروس برداءها الأبيض، تغشاها طرحة بيضاء طويلة كما يغشى ضوء الشمس سطح النهر لتزيده لمعة وجمال تسحربها عين الرائي ، أطلت على الحاضرات حاملة بيديها باقة ورد أبيض متوردة برذاذ الخجل ، خطت على ممر يعكس أنوثة وجهها، أقبلت و تأملتها العيون و نطقت الشفاه بماشاء الله . جلست على عرشها المرصع بالورود الذابلة أمام جمالها .

قد يسال ساءل عن حالي ، ماذا أصنع في ذلك المكان و أنا بهيئة غريبة؟! أبدو كمن زرع الياسمين بين الخزاما .
عزيزي القارء ببساطة أنا أعيش في هامش صفحات الآخرين ، أمثل دور ثانوي في حياتهم ، أشاهد أفراحهم كما تشاهدنا النجوم من بعد ملايين الاميال .
أقدم لهم يد المساعدة دون الترقب الى الشكر ، كيوم تكون في مأزق و لا تعلم ما ذا تصنع أو كيف تتصرف فيقبل عليك شخص تجهل من هو فينقذك من كربك و يمضي في طريقه ، كيف سيكون شعورك حينها ؟ أنا أبدو في واقع الحال كذلك الشخص  قد تكون رأيتني مسبقا قد أكون مررت بطريق حياتك و رسمت البهجة على وجهك  و أدفات قلبك .
ها أنا ذا الْيَوْمَ أدوّن في مفكرتي لحظات من حياة الآخرين  كعدسة تحبس إحساس اللحظة على سطح ورقة بيضاء لتبقى لأجيال قادمة ، وعندما يحين يومي و أكون بطلة قصتي ليست المفكرات الصغيرة من ستسطر حياتي ، بل ستتسابق المجلدات والعقول و الافئدة لتحتوي شعاع نجمي .

وبينما كانت كلماتي تتسابق كي تحجز لها مقعدا بين سطور مفكرتي ، انطلقت وداعية العروس لتنقلها الى بيت  الزوجية ، ومعها تباطأت كلماتي واستراحت في مهاجعها استعدادا للقصة القادمة .

أعد المقالة : أمينة عبد القادر عثمان.

الثلاثاء، 18 أبريل 2017

رداء الظلام



لماذا لا توجد لدينا الرغبة إلى الإنصات لبعضنا ، لم تعُد صُدورنا تتسع لمشاكل الآخرين بالأخص المقربين منا كالأُسرة ، سَمعنا لم يعد يحتمِل موجات الألم والأحلام التي برأينا الشخصي بعيدة المنال ، ليس لأننا لا نُؤمن بمصطلح الحلم ، ولكن عندما تخرج فكرة الحلم من شخص لا يُنجِز في واقعه الأمور التي تقربه خطوة أو خطوات إلى حلمه المنشود ، وقتها يصبح الحلم أقرب إلى المعجزة ، يصبح مجرد مهرب من الواقع بالنسية له ، وبالنسبة لنا نحن المستِمعون يكون مجرد ألم لطبلتي أذنينها ، لماذا نتألم ؟! لأن أرواحنا لم تألف الحزن وروتين المشاكل .
أتساءل كثيراً، ألا تتعبون من كثرة التأفف و نشر رذاذ الإزدراء في زوايا قلوبنا؟ ،حتى أصبحت لا تُزهر سوى شوك الأنين ، أتعشقون التذمر إلى حد إختلاق مشكلة من فراغ ؟ أم ماذا أقول لمن يهوى التشكي من نفس الموضوع في كل مرة ويقضي جل حياته وهو يُمزق وينسج في نفس الموضوع، حتى تمنيت أن يتذمر من موضوع جديد ، يالها من سخرية !

هناك من يطرق باباً مراراً وتكراراً، ويقضي زهرة حياته وهو مصر على أن يلج إلى الدنيا من ذلك الباب ، والمؤسِف أنه يُجبر من  معه على الإنتظار لحين انفتاح ذلك الباب ، وإن حاولت إرشاده إلى باب أخر أو عدة أبواب اعترض مباشرة ، وتربع على عتبه الباب يحدق إلى ذاك الأفق الضيق، حتى إذا يإس انهمر بجل غضبه ويأسه ليهلك كل زهرة سعادة داخل قلب كل شخص قريب منه، متناسيا أنه هو من صنع لنفسه رداء الظلام ، فلم يجبر الأخرين على ارتدائه؟!

أعد المقالة :
أمينة عبد القادر عثمان.